عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

186

اللباب في علوم الكتاب

أكلوه من الرّشا نارا ؛ لأنّه يؤدّيهم إلى النار ، قاله أكثر المفسّرين « 1 » . وقيل : إنّه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النّار في جهنم حقيقة فأخبر عن المآل بالحال ؛ كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] ، أي عاقبتهم تئول إلى ذلك ، ومنه قول القائل : [ الوافر ] 907 - لدوا للموت وابنوا للخراب * . . . « 2 » وقال القائل [ المتقارب ] 908 - . . . * فللموت ما تلد الوالدة « 3 » وقال آخر : [ البسيط ] 909 - . . . * ودورنا لخراب الدّهر نبنيها « 4 » وهذه الآية تدلّ على تحريم الرّشوة على الباطل . قوله : « وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ » ظاهره : أنّه لا يكلّمهم أصلا ، لكنه لما أورده مورد الوعيد ، فهم منه ما يجري مجرى العقوبة وذكروا فيه ثلاثة أوجه « 5 » : الأوّل : قد دلّ الدّليل على أنّه سبحانه وتعالى يكلّمهم ؛ وذلك قوله فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ الحجر : 92 ] . وقوله فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] فعرفنا أنّه يسأل كلّ واحد من المكلّفين ، والسؤال لا يكون إلّا بكلام ، فقالوا : وجب أن يكون المراد من الآية الكريمة أنه تعالى لا يكلّمهم بتحيّة وسلام وخير ، وإنما يكلّمهم بما يعظم عندهم من الحسرة والغمّ ؛ من المناقشة والمساءلة كقوله تعالى اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] . الثاني : أنّه تبارك وتعالى لا يكلّمهم أصلا ، وأمّا قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إنما يكون السؤال من الملائكة بأمره تعالى ، وإنّما كان عدم تكليمهم في معرض

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 158 . ( 2 ) هذا صدر بيت لأبي العتاهية . ينظر ديوانه 33 ، وللإمام علي بن أبي طالب في خزانة الأدب 9 / 529 - 531 ، والدر 4 / 167 ، وأوضح المسالك 3 / 33 ، والجنى الداني 98 ، والدر المصون 3 / 72 . ( 3 ) هذا عجز بيت لنهيلة بن الحارث المازني أو لشييم بن خويلد ، وصدره : وإن يكن الموت أفناهم . ينظر خزانة الأدب 9 / 530 ، 533 ، 534 ولشييم أو لسماك بن عمرو في لسان العرب ( لوم ) وينظر شرح شواهد المغني 2 / 572 ، ومغني اللبيب 1 / 214 . ( 4 ) البيت لسابق البربري وصدره : أموالنا لذوي الميراث نجمعها . ينظر : اللامات ص 120 ولسان العرب ( لوم ) . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 24 .